تعرب الجهات الموقعة على هذا البيان عن بالغ القلق والاستنكار إزاء التدهور غير المسبوق في المنظومات البيئية والإنسانية في قطاع غزة في ظل استمرار العمليات العسكرية وتصاعد التوترات الإقليمية التي تنذر باتساع دائرة الصراع في منطقتنا. إن ما يشهده القطاع لا يقتصر على الأضرار العسكرية التقليدية بل يمتد إلى تدمير واسع النطاق للبنية البيئية التي تقوم عليها حياة المدنيين بما يشكل تهديداً مباشراً للحق في الحياة والصحة والبيئة السليمة.
إن التدمير الممنهج لمصادر المياه والبنية التحتية للصرف الصحي وتلوث التربة والهواء وتدمير مصادر الطاقة يمثل نمطاً خطيراً من الاعتداء على البيئة يمكن توصيفه في إطار مفهوم الإبادة البيئية وهي الأفعال التي تؤدي إلى إلحاق أضرار جسيمة أو واسعة النطاق أو طويلة الأمد بالبيئة الطبيعية بما يقوض قدرة السكان على العيش بكرامة. إن هذه الممارسات تتعارض بوضوح مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني ومع التزامات الدول بموجب عدد من المواثيق الدولية.
فقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 على أن لكل إنسان الحق في الحياة والعيش بكرامة وأمان. كما نص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 على الحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية وهو حق لا يمكن تحقيقه في ظل بيئة مدمرة أو ملوثة.
كما أن قواعد القانون الدولي الإنساني وبخاصة اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 تحظر استخدام أساليب ووسائل حرب يقصد بها أو يتوقع منها إحداث أضرار واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة الطبيعية. وتنص المادة 55 من البروتوكول الإضافي الأول على وجوب حماية البيئة الطبيعية من الأضرار الواسعة التي قد تعرض صحة السكان أو بقاءهم للخطر.
وفي السياق ذاته حظرت اتفاقية حظر الاستخدام العسكري أو العدائي لتقنيات التغيير في البيئة لعام 1976 استخدام البيئة كسلاح في النزاعات المسلحة إذا ترتب على ذلك آثار واسعة أو طويلة الأمد أو شديدة.
كما أكد إعلان ستوكهولم بشأن البيئة البشرية لعام 1972 وإعلان ريو بشأن البيئة والتنمية لعام 1992 أن الإنسان له حق أساسي في بيئة تتيح له حياة كريمة وأن على الدول واجب حماية الموارد البيئية للأجيال الحالية والقادمة.
وفيما يتعلق بالبعد الجندري للنزاعات فإن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979 تلزم الدول باتخاذ التدابير اللازمة لحماية النساء من الآثار غير المتكافئة للأزمات والنزاعات.
كما شددت قرارات مجلس الأمن بشأن المرأة والسلام والأمن وعلى رأسها القرار 1325 لعام 2000 على ضرورة حماية النساء في النزاعات المسلحة ومعالجة الآثار الخاصة التي يتعرضن لها.
كما تؤكد اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 حق الأطفال في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة والعيش في بيئة سليمة وهو حق يتعرض لخطر بالغ عندما تتحول البيئة إلى ساحة للتدمير أو التلوث.
وفي ضوء هذه الأطر القانونية الدولية فإن ما يحدث من تدمير واسع للبنية البيئية والخدمات الأساسية في مناطق النزاع يثير مخاوف جدية بشأن انتهاك هذه الالتزامات الدولية ويستدعي تحقيقاً دولياً مستقلاً لتقييم حجم الأضرار البيئية والصحية والإنسانية الناتجة عن العمليات العسكرية.
كما يبرز بوضوح البعد الجندري للأزمة حيث تتحمل النساء والفتيات أعباء مضاعفة نتيجة انهيار البنية التحتية للمياه والصرف الصحي والخدمات الصحية. إن هذا الواقع يفرض عليهن مخاطر صحية واجتماعية جسيمة ويعرضهن لتهديدات إضافية تتعلق بالعنف القائم على النوع الاجتماعي في ظل النزوح الجماعي وتدهور ظروف الإيواء.
كما أن احتمالات اتساع النزاع إقليمياً قد تقود إلى آثار بيئية عابرة للحدود تشمل تلوث المجالات البحرية والجوية في المنطقة وهو ما قد يهدد ملايين المدنيين ويقوض التوازن البيئي الهش في الشرق الأوسط.
_ وانطلاقاً من المبادئ الراسخة في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني فإننا نؤكد على المطالب التالية:
أولاً: العمل على تطوير الإطار القانوني الدولي للاعتراف بجريمة الإبادة البيئية كجريمة دولية جسيمة ضمن الجرائم التي يختص بها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 بما يعزز المساءلة الدولية عن التدمير الواسع للبيئة أثناء النزاعات.
ثانياً: إدماج مفهوم العدالة البيئية ذات البعد الجندري في تقييم آثار النزاعات المسلحة بحيث تشمل التحقيقات الدولية توثيق التأثيرات البيئية والصحية للنزاعات على النساء والفتيات بما في ذلك آثارها على الصحة الإنجابية والكرامة الإنسانية.
ثالثاً: الدعوة إلى الوقف الفوري للأعمال العسكرية التي تؤدي إلى تدمير البنية البيئية ومقومات الحياة الأساسية والعمل من خلال الآليات الدبلوماسية والقانونية الدولية لمنع اتساع رقعة النزاع في المنطقة.
رابعاً: إطلاق برامج دولية عاجلة لإعادة التأهيل البيئي وإصلاح البنية التحتية الحيوية في المناطق المتضررة بما يشمل إعادة تأهيل مصادر المياه والتربة وإقامة مرافق صحية آمنة تضمن كرامة النساء وخصوصيتهن وفق المعايير الإنسانية.
إن حماية البيئة في أوقات النزاع ليست قضية تقنية أو ثانوية بل هي جزء أصيل من منظومة حماية حقوق الإنسان وصون كرامته. إن العدالة البيئية تمثل ركناً أساسياً في تحقيق السلام المستدام وحماية الأجيال القادمة من آثار الحروب المدمرة.
التوقيعات:
مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة.
مبادرة إنصاف.
مؤسسة التميز.
مركزالدلتا لحقوق الإنسان والتنمية المستدامةى
مؤسسة الشرق الأوسط للتنمية وحقوق الإنسان.
الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية.
مبادرة المرأة الريفية.
رابطة المرأة الفلسطينية.
الجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات.
جمعية الميدان للتنمية وحقوق الإنسان.
جمعية بناة المستقبل.
مبادرة خطوة.
مؤسسة دعم التنمية.
مؤسسة عطاء مصر.
مؤسسة قضايا المرأة المصرية.
مؤسسة مدد.
مبادرة مساحة نسوية للعدالة المناخية.
مؤسسة مصريين بلا حدود.
مبادرة منارة.
مؤسسة نفرتاري للتنمية والرعاية.